التوجه اللبناني في التعامل مع الشواذ المجتمعية في ظل الأزمات التي تعصف بالبلاد

مجتمع الميم: تسمية تطلق على المثليين ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيا، إذ تعد هذه الظاهرة من أبرز الظواهر الخارجة عن المألوف وعن الطبيعة الإنسانية.

التوجه اللبناني في التعامل مع الشواذ المجتمعية في ظل الأزمات التي تعصف بالبلاد

لذلك يواجه أصحاب هذا المجتمع الرفض المجتمعي بكافة أشكاله شعبيا وحكوميا، باعتبارهم من الشواذ المحلقة خارج السرب الإنساني المألوف.

انتشرت هذه الظاهرة في العديد من بلدان العالم، سيما بلدان العالم العربي، إذ بدأ التحرك الشعبي والرسمي في هذه البلدان لتضييق الخناق على أصحاب هذه الظواهر في محاولة للقضاء عليها، ومن هذه البلدان لبنان على سبيل المثال، إذ يواجه أفراد مجتمع الميم مجموعة من العوائق التي يرونها انتهاكا لحريتهم وخصوصيتهم في اختيار طبيعة حياتهم، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها العالم عموما كجائحة كورونا، إضافة إلى الظروف الخاصة بلبنان، التي زامنت هذه الجائحة كالأزمة التي تشهدها لبنان من أواخر العام 2019، وما تبعها من انهيار اقتصادي كبير، وصولا إلى انفجار مرفأ بيروت الذي خلف وراءه الكثير من المآسي.

يواجه الأشخاص من مجتمع المثليين وصمة عار بين السكان في لبنان، كما أن المنازل التي يعيش فيها الشركاء المثليين غير مؤهلة للحصول على نفس الحماية القانونية المتاحة للأزواج المغايرين، مع وجود عدة تقارير تتحدث عن مستوى عال من التمييز والانتهاكات ضد مجتمع المثليين. قضت عدة محاكم لبنانية بعدم استخدام المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني، التي تحظر إقامة علاقات جنسية "تتعارض مع نظام الطبيعة"، لاعتقال الأفراد من مجتمع الميم، ومع ذلك، لا يزال القانون يستخدم لمضايقة مجتمع الميم من خلال الاعتقالات التي تقوم بها الشرطة اللبنانية.

أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للدراسات الأميركية عام 2007، أن نسبة 79% من اللبنانيين يعتقدون بأنه "ينبغي رفض المثلية الجنسية"، على عكس ذلك كانت نسبة 18% تعتقد أنه "ينبغي قبول المثليّة الجنسية.

نظمت مجموعات المثليين الأحداث منذ عام 2006 لتتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية، ورهاب التحول الجنسي، و ورهاب ازدواجية التوجه الجنسي في عام 2017، كذلك نظم نشطاء المثليين أول مسيرة" فخر المثليين" في لبنان، تحمل اسم "فخر بيروت"، لكنهم اضطروا للإلغاء بسبب التهديدات من الأطراف الدينية الأخرى. تم حظر حدث عام 2018 بعد أن تم إلقاء القبض على المنظم الرئيسي من قبل مسؤولي الشرطة. أدانت منظمة هيومن رايتس ووتش هذه الخطوة، قائلة: "إن الحملة القمعية تنتهك حرية التجمع وتكوين الجمعيات، وهي خطوة إلى الوراء في بلد أحرز تقدماً نحو احترام حقوق المثليين".

بدأ أفراد مجتمع الميم في لبنان يستردون قوتهم خلال الأزمة اللبنانية الحالية، إذ قالت رشا يونس، الباحثة في قسم حقوق مجتمع الميم في هيومن رايتس ووتش: "يستخدم أفراد مجتمع الميم قوة أصواتهم ووجودهم في المظاهرات للمطالبة بحقوقهم، وأثارت مساهمتهم الواضحة إمكانيات جديدة للاعتراف بحقوقهم وهوياتهم في لبنان".

في ذات الإطار وصفت مايا البالغة 38 عاما من العمر، كيف تغيرت علاقتها ببيروت بعد بدء المظاهرات: "قبل الثورة، كان من المستحيل أن أبقى خارج المنزل بعد الساعة 9 مساء. كانت بيروت بالنسبة لي مدينة الحذر والخوف. عندما بدأت الثورة، خرجت إلى الشارع، رأيت التنوع، وشعرت أن هذا المكان سيكون آمنا بالنسبة لي لأنه بغض النظر عما قد يحدث، وجود الناس سيحميني".

بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، يُعتبر المشي في شوارع لبنان عملية من الرقابة الذاتية، حيث أنهم  مجبرون على إخفاء هوياتهم للتعامل مع أمور حياتهم اليومية. قبل أقل من شهر من بدء المظاهرات في لبنان، نُقِل مؤتمر حول الجندر والجنسانية كان يُعقد سنويا في لبنان منذ 2013 إلى خارج البلاد لأول مرة، عقب محاولة "الأمن العام" إيقاف دورة 2018. منع الأمن العام أيضا نشطاء مجتمع الميم غير اللبنانيين الذين حضروا مؤتمر 2018 من دخول البلاد مرة أخرى إلى أجل غير مسمى.

بالنسبة للكثيرين، كان التواجد في المظاهرات المرة الأولى التي يجدون فيها مكانا عاما يكونون فيه دون خوف ومع شعور جديد بالأمان والانتماء. قالت ملاك (26 عاما): " كنت أعتقد أن توجهي الجنسي وأنوثتي، وهي أمور خاصة بنظر المجتمع، ينبغي قمعها. أنا مثلية، أُعبّر عن توجهي الجنسي بشكل عام، وعن رغباتي الجنسية بقوة. الثورة كانت المرة الأولى التي لا أمارس فيها الرقابة الذاتية، لأنني شعرت أنني لست وحدي في معاناتي".

تقول هيومن رايتس ووتش إنه رغم الخطوات التي اتُخذت خلال الثورة لقبول حقوق مجتمع الميم في المجتمع، إلا أن أفراد مجتمع الميم سيظلون يعيشون على الهامش ما لم تلغِ الحكومة اللبنانية المادة 534 من قانون العقوبات، والتي تُعاقب العلاقات المثلية. تحتاج الحكومة إلى سن تشريع يحمي أفراد مجتمع الميم من التمييز ويدعم حقوقهم الأساسية في الكرامة، والاستقلالية الجسدية، والحِراك الاجتماعي الاقتصادي، وحريات التعبير وتكوين الجمعيات والتجمّع.

وفي ذات السياق يضيف طارق زيدان، مدير مؤسسة "حلم" في لبنان للدفاع عن حقوق المهمشين، أن العلاقات الجنسية غير النمطية، مثل الميول الجنسية تجاه شخص من ذات النوع، موجودة منذ أن بدأت البشرية، وموجودة في كل المجتمعات العربية، شئنا أم أبينا، ويمثل الأفراد الذين لديهم هذه الميول جزء من نسيج المجتمعات العربية بكافة تنوعاتها العرقية والطائفية، وليسوا دخلاء على هذه المجتمعات، وبالتالي تعرضهم للظلم والايذاء والعنصرية والقمع والاعتقال التعسفي أحيانا هو أمر مرفوض تماما ويجب وقفه بكل الطرق. ويرفض طارق استخدام كلمة "شذوذ" لوصف العلاقات المثلية، ويرى أن الوصف الصحيح هو أنها علاقات غير نمطية.

يستمر اللبنانيون بجميع فئاتهم في تضميد جراحهم بعد الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت، بمن فيهم مثليي الجنس والمتحولين الذين يتعرضون للتهميش، وعدم الاعتراف بحقوقهم. كما تزيد أزمة فيروس كورونا الصعوبات الاقتصادية، ويُعتبر أفراد مجتمع الميم، الذين كثيرا ما يواجهون التمييز في الرعاية الصحية والتهميش الاقتصادي، الأكثر عرضة للخطر.

ورغم ذلك، يواجه "مجتمع الميم" في لبنان صعوبة بالغة في انتزاع حقوق أفراده، حتى بعد العصف الهائل الذي سببه الانفجار مخلفا أكثر من 177 قتيل، وأكثر من 6500 جريح، و300 ألف مشرد من جميع التوجهات السياسية والمذهبية في لبنان، بحسب "الإندبندنت"  البريطانية.

يقول مصطفى الذي كان يعمل في إحدى مقاهي حي الجميزة الشهير، إنه بقي بلا عمل بعد تدمر المقهى القريب جدا من المرفأ، مضيفا: "فجأة انهار كل شيء، إنه كابوس، ما زلت أتذكر ما حدث".

وعاد مصطفى إلى منزل والدته بعد تضرر شقته بسبب الانفجار الذي وقع في يوم، 4 أغسطس الماضي، في إحدى مخازن المرفأ التي تحتوي على 2750 طنا من مادة "نيترات الامونيوم"، وقال: "والدتي لا تعرف بأني مثلي".

أخيرا ألا يمكن القول بأن التوجه اللبناني في التعامل مع الظواهر الشاذة كمجتمع الميم، بات من التوجهات الطبيعة، أو من الأمور المسلم بها باعتبارها من الظواهر المحاربة لا إراديا؟ ألا يتحمل أفراد هذه الظواهر نتاج شذوذهم وتحليقهم خارج السرب الإنساني المألوف؟.

زين أبو رافع

تفاعلات مع المقال

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0